ينصح رولان بارت، الكاتب الفرنسي الذي سرّح بصيرته في موضوعات مختلفة إلى حدّ كانت تبدو معه بلا رابط يجمعها غير شموليّة نظرته ـــــ ينصح للقرّاء بأن يطالعوا الكتابَ مطالعةَ المزمزة، لا التهام ولا ابتلاع، «وأن يستعيدوا، أمام كتب مؤلّفي اليوم، تأنّي المطالعات القديمة: أن يكونوا قرّاء أرستقراطيين». من أجل ما كان يسمّيه متعة النص، لا متعة كاتبه، ولا متعة قارئه وحده، بل متعة الفسحة الاستمتاعيّة التي يخلقها النص بينهما. ذلك هو ترفٌ أُعطيَ للإنسان مجاناً، شرط أن يكون على مزاجٍ مناسب. وما يتمنّاه بارت قد يَتحقق بتوصيةٍ وبلا توصية إن أملاه الطبع، وقد يستحيل تحقيق شيء منه إذا خُلِقَ المرء شرهاً، مستعجلاً. وهناك أنواعٌ من المكتوبات لا يصحّ معها التمهُّل لأنّها هي لا تريده، فلغة صاحبها تجرف أو تتطاير، أو أن ما يقوله يستدعي النَّهَم كما تستدعي الرياح خَفْقَ الشراع. الحقّ أنّ المزمزة ليست صفة الأرستقراطيين بقدر ما هي سمةُ الأبيقوريين، وحتى هؤلاء لا يُعْدَمون الأمزجة الناريّة التي تلتهم ولا تتوقّف.
يحلم الكاتب بقارئٍ «يُقدّره»، يَخْلع على كلماته أصناف كرمه، يطالعه على خلفيّة أنغام خَفيّة تمنح كل حرفٍ من حروفه أصداءً لا نهاية لها. للكاتب أن يتمنّى. هذا شأن من شؤون وَهْمه الحيويّ. ولكن الكاتب لن يحظى بغير أصدقاء. من حسن حظّه أنّه لا يعرف جمهوره، فذلك يجعله يأمل في المستحيل. غير أن الكاتب مهما فعل لن يحظى من القرّاء بغير الأصدقاء، الذين يجهلهم والذين قد لا يريدهم. حين يقرأونه ويعيدون فهؤلاء أصدقاؤه. وأصدقاء المرء يولدون معه لحظة يولد، حتّى لو ولدوا بعد موته بعصور.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire